القرطبي

6

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والأماني جمع أمنية وهي التلاوة ، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة ، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية ، ومنه قوله تعالى : " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ( 1 ) " أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته . وقال كعب بن مالك : تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر : تمنى كتاب الله آخر ليله * تمني داود الزبور على رسل والأماني أيضا الأكاذيب ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت ، أي ما كذبت . وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث : أهذا شئ رويته أم شئ تمنيته ؟ أي افتعلته . وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد " أماني " في الآية . والأماني أيضا ما يتمناه الانسان ويشتهيه . قال قتادة : " إلا أماني " يعني أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم . وقيل : الأماني التقدير ، يقال : مني له أي قدر ، قال الجوهري ، وحكاه ابن بحر ، وأنشد قول الشاعر : لا تأمنن وإن أمسيت في حرم * حتى تلاقي ما يمني لك ألماني ( 2 ) أي يقدر لك المقدر . الثالثة - قوله تعالى " وإن هم إلا يظنون " " إن " بمعنى ما النافية ، كما قال تعالى : " إن الكافرون إلا في غرور " . و " يظنون " يكذبون ويحدثون ، لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون ، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيها يقرءون به . قال أبو بكر الأنباري : وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا ، وقال : إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين ، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك ، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب ، قال الله عز وجل " وإن هم إلا يظنون " أراد إلا يكذبون . الرابعة - قال علماؤنا رحة الله عليهم : نعت الله تعالى أحبارهم بأنه يبدلون ويحرقون فقال وقوله الحق : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " الآية . وذلك أنه لما درس

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 79 . ( 2 ) نسب شارح القاموس هذا البيت لسويد بن عامر المصطلقي .